ابن أبي الحديد
400
شرح نهج البلاغة
فهو الجواد إن أعطى ، وهو الجواد إن منع ، لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له ، وإن منعه منعه ما ليس له . قوله : ( وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ) فيه معنى لطيف ، وذاك لان هذا المعنى مما يختص بالبشر ، لأنهم يتحركون بالسؤال وتهزهم الطلبات ، فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم إياه ، وأما الباري سبحانه فإن جوده ليس على هذا المنهاج ، لان جوده عام في جميع الأحوال . ثم ذكر أن وجوده تعالى ليس بزماني ، فلا يطلق عليه البعدية والقبلية ، كما يطلق على الزمانيات ، وإنما لم يكن وجوده زمانيا لأنه لا يقبل الحركة ، والزمان من لواحق الحركة ، وإنما لم تطلق عليه البعدية والقبلية إذ لم يكن زمانيا ، لان قولنا في الشئ : إنه بعد الشئ الفلاني أي الموجود في زمان حضر بعد تقضى زمان ذلك الشئ الفلاني وقولنا في الشئ : إنه قبل الشئ الفلاني أي إنه موجود في زمان حضر ولم يحضر زمان ذلك الشئ الفلاني بعد ، فما ليس في الزمان ليس يصدق عليه القبل والبعد الزمانيان ، فيكون تقدير الكلام على هذا : الأول الذي لا يصدق عليه القبلية الزمانية ، ليمكن أن يكون شئ ما قبله ، والاخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ، ليمكن أن يكون شئ ما بعده . وقد يحمل الكلام على وجه آخر أقرب متناولا من هذا الوجه ، وهو أن يكون أراد : الذي لم يكن محدثا ، أي موجودا قد سبقه عدم ، فيقال إنه مسبوق بشئ من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه ، وأنه ليس بذات يمكن فناؤها وعدمها فيما لا يزال ، فيقال : إنه ينقضي وينصرم ، ويكون بعده شئ من الأشياء ، إما الزمان أو غيره ، والوجه الأول أدق وألطف ، ويؤكد كونه مرادا قوله عقيبه : ( ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ) ، وذلك لان واجب الوجود أعلى من الدهر والزمان ، فنسبة ذاته إلى الدهر والزمان بجملته وتفصيل أجزائه نسبة متحدة .